11 - 09 - 2026

لحظة فارقة في تاريخ مصر | بين إرث الجمهورية القديمة الذي يثقل كاهل الجميع وآفاق الجمهورية الجديدة

لحظة فارقة في تاريخ مصر | بين إرث الجمهورية القديمة الذي يثقل كاهل الجميع وآفاق الجمهورية الجديدة

بينما ينشغل الرأي العام العالمي والإقليمي والمحلي بتحليل الوضع الراهن في مصر، في تلك اللحظة الدقيقة والفارقة في تاريخ منطقة الشرق الأوسط حيث تظهر معادلات جديدة للنفوذ والقوة، اختار الدكتور أحمد حمدي درويش النظر إلى الأمر من خلال تقييم الإنجازات والإخفاقات التي تحققت في الجمهورية الجديدة التي لم ننتقل إليها بعد، في محاولة لاستشراف مستقبل مصر التي قررت أنها تحدت توقعات كثير من مراكز الأبحاث والمراقبين قبل عشر سنوات بأن تتحول إلى دولة "فاشلة"، وتمكنت من النهوض من "كبوة كانت تضعها على شفا الانهيار". التقارير والمؤشرات التي اختارها للتدليل على الإنجازات، هي تقارير مؤسسات مالية دولية تعتمد معايير خاصة بها لتقييم الاقتصادية وفق مؤشرات مالية كلية ووفق التزام الحكومة بإرشادات تلك المؤشرات لتصحيح الخلل الهيكلي للاقتصاد، بينما تتجاهل مؤشرات أخرى، في الاقتصاد والسياسة والاجتماع، من شأن إدخالها في التحليل أن تشير إلى استنتاجات مغايرة بشأن المستقبل، وتعيد تقييم المشهد وفق ترتيب مغاير للأولويات، في مقدمتها امتداد تأثير ما تراه المؤسسات الدولية والحكومة إصلاحا اقتصاديًا على القوى الاجتماعية المختلفة، وتصور القيادة للدولة ودورها داخليًا وإقليميًا، وما إذا كان هذا التصور يتناسب مع التغيرات الحادثة على الصعيد الدولي والإقليمي وقادر على احتواء التداعيات الداخلية، ويستجيب للطموحات في أن تحتل مصر المكانة التي تستحقها في منطقة يعاد توزيع مراكز القوة والنفوذ فيها؟ 

إن الإجابة على هذه الأسئلة تتجاوز حديث الإنجازات والإخفاقات لتتساءل عما إذا كانت النخبة الاستراتيجية المصرية والقيادة السياسية تتبنى بالفعل فلسفة جديدة تتناسب مع عملية الانتقال إلى "الجمهورية الجديدة"، التي رسم دستور 2014 ملامحها المتمثلة في دولة مدنية حديثة، أم أن الإرث الثقيل للجمهورية القديمة يحول دون هذا التحول؟ وما هي المحددات الأساسية التي توجه السياسة المصرية، هل تتمثل هذه المحددات في التحدي الاقتصادي مثلما تذهب معظم التقارير الدولية ومعظم المقالات المنشورة في الصحف والتعليقات في وسائل الإعلام والتي يتم الاعتماد عليها في تحليل الخطاب السياسي؟ أم تتمثل في التحديات الإقليمية التي تواجهها مصر منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 وتداعياتها، وصولا للمواجهة العسكرية الراهنة مع إيران في الخليج، أم التحديات الناجمة عن التحولات في بنية النظام الدولي نتيجة للسياسات الأمريكية الراهنة وما يترتب عليها من إعادة ترتيب التحالفات الدولية، وكلاهما مرتبط بالوضع الجيوسياسي لمصر؟

ليس الغرض من هذا المقال الرد على ما ورد في مقال الأستاذ حمدي درويش ومقالات أخرى تركز على التحدي الاقتصادي أو التحدي الجيوسياسي الذي تواجهه مصر، وإنما الغرض منه هو الدعوة للتفكير بطريقة مغايرة في هذه التحديات والابتعاد كثيرا عن منطق رؤية الموقف من منظور الإنجازات أو الإخفاقات الذي ينشغل به مؤيدو النظام ومعارضوه على حد سواء، وهو المنطق الذي يندرج أساسًا في سياق الدعاية السياسية الإيجابية أو السلبية، إنه محاولة لتقييم الموقف الراهن من منظور استراتيجي يسعى للموازنة بين القيود التي تتحرك في ظلها مصر والفرص المتاحة أمامها، مع إدراك أن كثيرًا من المعطيات خارج سيطرة الأطراف المختلفة التي تتصارع من أجل يكون لها تأثير على مجريات الأمور، سواء في اللحظة الراهنة أو في المستقبل القريب والبعيد. من الخطأ عند إجراء مثل هذا التقييم الاعتماد على مراجعات دورية قصيرة المدى، أو تقارير لحظية يصدرها هذا المركز أو ذاك، فلا بد من النظر إلى العوامل البنائية المرتبطة بعلاقة النظام السياسي بالبناء الاجتماعي الذي يدعمه، وأيضا بالتحالفات الإقليمية والدولية للنظام، وهما أمران لمسهما المقال ولكنهما في حاجة إلى تحليل أعمق، لمعرفة الثابت والمتغير في بنية النظام وفي البيئة الداخلية والدولية التي يتحرك فيها.

النظام السياسي وركيزته الاجتماعية

في سبتمبر عام 1995، كتب فؤاد عجمي، الذي كان يشغل منصب أستاذ كرسي مجيد خدوري لدراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، مقالة في مجلة "فورين أفيرز" بعنوان "أحزان مصر: قصة رجلين". والرجلان هما أنور السادات، رئيس مصر بين عامي 1971 و1981، وقاتله خالد الإسلامبولي في السادس من أكتوبر عام 1981. في هذا المقال رأى عجمي أن مأساة مصر نابعة من "التدهور المستمر في الحياة العامة، وعجز النظام الاستبدادي - والطبقة الوسطى التي ينبثق منها هذا النظام - عن تخليص البلاد من الاعتماد على المساعدات الخارجية، وعجز النظام التعليمي والسياسة التعليمية عن تمكين القطاعات العريضة من المجتمع، الأقل دخلًا، من اكتساب المهارات اللازمة للمنافسة الاقتصادية مع الدول في المنطقة وخارجها، وبالتالي عجز النظام والطبقة الاجتماعية التي يستند إليها من انتشال البلاد من حالة التأرجح اللانهائي بين الشعور بالمجد وجلد الذات". يضاف إلى هذا التحليل ما تعرضت له الطبقة الوسطى، التي شكَّلت القاعدة الاجتماعية لهذا النظام طوال العقود اللاحقة على ميلاده في يوليو 1952، من تآكل تدريجي بسبب سياسات الانفتاح الاقتصادي في منتصف سبعينات القرن الماضي.  

لم يكن اختيار فؤاد عجمي لخالد الاسلامبولي مصادفة تأسست على واقعة اغتيال السادات، وإنما هذا الاختيار مؤسس على الثنائية التي تحكم السياسة المصرية منذ عام 1952، والتي تضعنا أمام الاختيار تصور النظام الذي تهيمن عليه المؤسسة العسكرية وبين تصور الإسلام بطبعاته المختلفة، بدءا من جماعة الإخوان المسلمين وانتهاء بالجماعات التكفيرية التي انبثقت عن التنظيمات الأكثر تشدداً، وتحليله لطبيعة مأساة مصر لمس جوهر المشكلة الذي يتجاوز الخلاف الأيديولوجي بين النظام وبين مشروع الإسلام السياسي، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل، ما الذي تغير بعد ثورة 25 يناير عام 2011، وما تبعها من تطورات؟ وهل سيؤدي المضي قدماً في برنامج الإصلاح الاقتصادي إلى تقويض الأساس الاجتماعي الذي ارتكزت عليه الجمهورية القديمة؟ وما هو الأساس الاجتماعي للنظام الجديد؟ في تقديري، أن هذه الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات سريعة وانطباعية إذا أردنا تحليلا للاقتصاد السياسي للجمهورية الجديدة يساعدنا على فهم التحول في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وكيف يؤثر هذا التحول على مستقبل النظام السياسي في مصر.

لقد دفعت لحظة التحول في عام 2011، فواز جرجس، أستاذ سياسة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة لندن، إلى الانتباه إلى هذه الثنائية التي رافقت تأسيس الجمهورية الأولى، والتي درسها في كتابه الصادر باللغة الإنجليزية في عام 2018، بعنوان " صناعة العالم العربي: عبد الناصر وقطب والصراع الذي شكّل الشرق الأوسط"، إذ لاحظ حالة الاستقطاب السياسي الذي تعاني منه مصر بين القوى الإسلامية من ناحية، وبين من وصفهم بالقوى "القومية والعلمانية"، وهو تصوير غير دقيق لوصف القوى السياسية التي لا تنتمي للإسلام السياسي في مصر، وهو شائع بين الدارسين والمراقبين الأجانب، وواقع الأمر أن كل الأحزاب السياسية الرئيسية في مصر توافق على المادة الثانية من الدستور، ويشكل الدين الإسلامي ملمحًا رئيسًا في خطابها السياسي، وهو ما لاحظه الباحث الأمريكي سكوت هيبارد في كتابه "السياسة الدينية في الدول العلمانية" والذي قارن فيه الوضع في كل من مصر والهند والولايات المتحدة، ودفعه إلى إعادة النظر في مفهوم الدولة العلمانية والسياسة الدينية الحديثة، خصوصا في مصر في ضوء ما أسماه "أسلمة السياسة المصرية"، وهي الظاهرة التي خصص لها الفصل الثالث من الكتاب. 

الكتاب يوضح أن خطاب الأصولية المصرية أصبح راسخًا بشكل متزايد في الحياة العامة في مصر، بسبب فشل الدولة في تقديم بديل أيديولوجي وسعي المسؤولين المستمر لتبرير سياساتهم باللجوء إلى التفسيرات السلفية والدينية المحافظة واعتمدوا بشدة على دعم المؤسسة الدينية، حيث جرى الترويج للتفسيرات المحافظة للدين كأساس للشرعية الشعبية، وهي مسألة أساسية في ظل أزمة الشرعية التي تعاني منها معظم النخب الحاكمة في بلدان الشرق الأوسط وفي ظل غياب الأدوات والوسائل الأخرى لصنع الرضا العام، والاعتماد على قمع المعارضة السياسية والاجتماعية بالقوة والإكراه، رغم ما ينطوي عليه هذا الاعتماد من طائفية في مجتمع متعدد دينيًا. لا بد من السؤال، هنا أيضًا، هل طرأ تغير ما على هذا الخطاب على الرغم من حدة الصراع بين الدولة وبين جماعة الإخوان المسلمين والمتعاطفين معها؟ وفي ظل هذا الوضع، فإن السؤال هو هل هناك فرصة لبديل مدني ديمقراطي قادر على كسر هذه الثنائية التي حكمت السياسة المصرية على مدى عقود والتي أدت إلى الوضع الراهن؟

إن تغليب الصراع الأيديولوجي المتصور بين النخبة الحاكمة المهيمنة على مؤسسات الدولة ومقاليد السلطة وبين جماعة الإخوان المسلمين، على الأسباب الأخرى لمعارضة السياسات التي تضعها تلك النخبة، سبب رئيسي للتشوه الذي أصاب العمل السياسي في مصر، وتأسيس السياسة على قاعدة واضحة للمصالح الاجتماعية، ومعارضتها في الوقت نفسه على أساس تناقض المصالح وتعارضها، والذي يرتب أولويات هذه السياسات وما تفترضه من تخصيص للموارد وتوجيهها، وعلى الرغم من الصراع الأيديولوجي بين الفريقين على السلطة، إلا أنهما يجدان مساحة كبيرة للتنسيق والتحالف التكتيكي في مواجهة التهديدات المشتركة، على النحو الذي شهدناه في الفترة بين فبراير 2011 ونوفمبر 2012، في مواجهة الخطر الذي تمثله القوى المدنية التي تتطلع إلى نظام مدني ديمقراطي وإلى استنارة تؤسس لدولة دستورية حديثة تقوم على مبدأ سيادة القانون. بالتأكيد حدثت تغيرات جذرية خلال الخمسة عامًا الماضية، نتيجة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي وربط الاقتصاد المصري بسلاسل الإمداد والتوريد العالمية، والذي تستفيد منه قطاعات اجتماعية محدودة على نحو أدى إلى تعميق الانقسام الطبقي في المجتمع والذي يعبر عنه التمييز بين مجتمع مصر، حيث الأغلبية المتضررة من الإصلاحات الاقتصادية، وبين مجتمع "إيجيبت"، حيث الأقلية المستفيدة والمندمجة في الاقتصاد العالمي.

الإصلاح السياسي ضروري للإصلاح الاقتصادي 

بغض النظر عن أي مؤشرات اقتصادية قد تدعم الحجج التي تساق للتدليل على الإنجازات، إلا أن المؤشرات الأخرى للسياسات الاقتصادية الكلية، مثل التضخم والبطالة وعبء المديونية، والتي تؤدي إلى تهميش قطاعات عريضة من المصريين، علاوة على المؤشرات الاقتصادية الجزئية التي تؤثر على هذه القطاعات العريضة، تفرض تحديات يتعين على الحكومة ومؤسسات الدولة التعامل معها. إن النقاط الأربع التي اقترحها مقال الأستاذ أحمد حمدي درويش لا تتعامل مع الإشكالية الجوهرية المتمثلة في العجز عن وقف الاعتماد على المساعدات الخارجية ووقف الاقتراض، بل بالعكس إن هذه الحلول تؤكد هذا الاعتماد خصوصًا في ظل غياب سياسات تنمية رأس المال البشري، ليكتمل نهج هدر الموارد وإضاعة الفرص الذي أدمنته النخبة الحاكمة التي فشلت في تأسيس شرعيتها على إنجازات حقيقية. يبرز في هذا الصدد انقسام أيديولوجي آخر بين مؤيدي سياسات الدولة في الحقبة الناصرية وبين سياساتها في مرحلة ما بعد الانفتاح. 

المشكلة، في تقديري، ليست في الانفتاح أو في سياسات السوق وإنما في إصرار بيروقراطية على التحكم في الموارد وتوجيهها واستغلالها في وقت تتنصل فيه من أي التزام. إن الجمهورية الجديدة تتطلب عقدا اجتماعيا جديدا مؤسسا على فكرة الترابط والتزامن بين الإصلاح الاقتصادي والإصلاح السياسي الذي يمكن القوى الاجتماعية من المشاركة في تحديد الأولويات التي تحكم عمليه توجيه الموارد وبنود الإنفاق، على النحو الذي ورد في النقاط الأربعة التي وردت في المقال المذكور، مع تأكيد ضرورة عدم انفراد الحكومة بعملية التفاوض على الديون أو على جدولتها، وإشراك البرلمان في هذه العملية لتعزيز موقف مصر التفاوضي، وما يتطلبه ذلك من تفعيل للمشاركة البرلمان ووقف توجيه النواب للتصويت بالموافقة على قرارات الحكومة وسياساتها. هذه مطلب سيجد ممانعة من النخبة المستفيدة من الوضع الراهن رغم إدراكها لخطورة استمرار السياسات الراهنة وأي مكتسبات قد تحققت.

إن مصر بحاجة إلى برنامج للتنمية الاقتصادية يرتكز على ثلاثة نقاط أساسية، ومن الأولى أن يتم توجيه الاستثمارات والموارد لتحقيقها: النقطة أو الركيزة الأولى، تتعلق بتنمية رأس المال البشري والتي تمثل نقطة الارتكاز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة التي حددتها الأمم المتحدة من أجل برامج وخطط للتنمية تحقق النمو والاستقرار للمجتمعات والتوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة، إن الالتزام بهذه الأهداف من شأنه أن يحل كثيرا من المشكلات التي تعاني منها مصر وفي مقدمتها المشكلة السكانية. لقد دأبت الحكومات المتعاقبة على النظر إلى السكان كعبء على الحكومة، وهو أمر جرى ويجري التعبير في خطاب النخبة الحاكمة على مدى عقود، في الوقت الذي تتغاضي فيه هذه النخب عن حقيقة أن تحويلات المصريين العاملين في الخارج هي المصدر الرئيسي للعملة الصعبة. ولم تول الحكومات المتعاقبة أي اهتمام للاستثمار في رأس المال البشري وتطويره وفتح المجال لتفجر طاقته الإنتاجية، سواء لخدمة الاقتصاد الوطني أو لاستغلال فرص العمل المتاحة في الخارج. كذلك، فإن مراعاة أهداف التنمية المستدامة سيعالج كثيرا من المشكلات التي تعطل طاقة مصر التصديرية والتي تتمثل في عدم مراعاة الاشتراطات البيئية والاجتماعية التي تضعها الأسواق الخارجية.

تتمثل الركيزة الثانية في "تنويع" الاقتصاد، والذي يعني خلق قيمة مضافة للمنتج، وبرامج التنويع الاقتصادي معنية في المقام الأول بتنويع مصادر الإيرادات والدخل، وهي آلية أساسية للانتقال من الاقتصاد المعتمد على مصادر ريعية إلى الاقتصاد الإنتاجي، كما أنه آلية أساسية لتوفير الوظائف وخلق فرص العمل. يكفي أن ننظر إلى خطط التنمية في الدول المجاورة وغيرها من دول لندرك أهمية تنويع الاقتصاد وأن هذا التنويع يقوم على إطلاق الطاقات الإنتاجية للمجتمع وتشجيع المشروعات الصغيرة والخاصة وإنهاء احتكار النشاط الاقتصادي سواء مارسته الدولة أو الشركات الخاصة الكبرى. إن الاهتمام بالقطاع الحرفي والورش الصغيرة التي تعمل في منتجات مغذية للصناعات أو منتجات استهلاكية من شأنه أن يحدث انتعاشا للاقتصاد يحل كثيرا من المشكلات، والأمر لا يتطلب سوى إعادة النظر في كثير من القوانين والتشريعات التي تفرض قيودا تكبل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتقديم القليل من الحوافز.

الركيزة الثالثة، تتمثل في ضرورة التكيف مع التغيرات التي طرأت على الاقتصاد ومختلف الأنشطة بسبب التطورات التكنولوجية، وما تحدثه من تأثيرات على فرص العمل، والاستعداد لهذه التحولات من خلال التعليم والتدريب، ومن المهم هنا الانتباه إلى نموذج التنمية الذي اتبعته الدولة في نهاية خمسينات وستينات القرن الماضي والقائم على التصنيع الثقيل لم يعد مناسبا للاقتصاد الجديد، لكن لا تزال هناك فرصة كبيرة لاقتصاد يقوم على قاعدة انتاج زراعية قوية وسلسلة من الصناعات الخفيفة التي ترتكز عليها والتركيز على المنتجات التي تقلل الاعتماد غذائيا على موردين خارجيين، يرتبط بالإنتاج الزراعي التوسع في الإنتاج الحيواني.       

توظيف الثقل الجيوسياسي

يرتكز الحديث المتكرر عن "الدور" الإقليمي لمصر على الثقل الجيوسياسي لمصر والناجم عن وضع مصر ذات التاريخ العريق الممتد لآلاف السنين وموقعها الجغرافي الذي يتوسط منطقة الشرق الأوسط، والذي جعلها في بؤرة تفكير القوى العالمية الكبرى عند وضع استراتيجياتها للدفاع عن مصالح في المنطقة وفي العالم. ثمة تحول حدث في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وتأكد خلال التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة. ففي دراسة نشرت أواخر عام 2018، طرح الباحث المصري المقيم في الولايات المتحدة، صامويل تادرس، بعد إعادة قراءة مقال فؤاد عجمي سؤالا على قدر كبير من الأهمية: هل لا تزال لمصر مكانة في الاستراتيجية الأمريكية الكبرى؟ اللافت ليس في السؤال وإنما في الإجابة التي حاول استقراءها استنادا إلى آراء كثير من المحللين في واشنطن، والتي جاءت بالنفي. هذه إجابة قد تزعج صناع السياسية في القاهرة، والذين يعولون كثيرا على فكرة الدور المصري الذي ارتبط بالاستراتيجية الأمريكية في المنطقة منذ عام 1973. ثمة مؤشرات على أن مصر سعت في السنوات الأخيرة إلى إعادة صياغة دورها بالتنسيق مع قوى عالمية أو إقليمية أخرى، ولا شك في أن هذه المحاولة محفوفة بمخاطر كبيرة قد تدفع مصر في توجهات استراتيجية قد تكون عالية التكلفة ولا تتوافر لها الأدوات اللازمة لفرضها. 

يلخص تادرس أسباب التحول في الموقف الأمريكي في الشعور العارم بالإحباط تجاه مصر الذي يسود في مختلف أوساط المعنيين بالسياسة الخارجية الأمريكية، والتي تتمثل في ممارسات القمع التي تؤدي إلى مزيد من التطرف، والسجل المتردي في مجال حقوق الإنسان، وفشل مصر في إحداث التحول الديمقراطي المأمول، وسياسة مصر الإقليمية والخارجية، والتي أدت إلى انتقال العلاقات الأمريكية المصرية إلى وضع تعصف به الاضطرابات ويكتنفه انعدام الثقة المتبادل وخيبة الآمال. ويعقد من هذا الأمر ما تشهده المنطقة من تحولات مثيرة للصراع بسبب سياسات الحكومة الإسرائيلية الراهنة تجاه القضية الفلسطينية، والتي من المتوقع أن تزعزع استقرار كثير من الدول، خصوصاً إذا انتهت الانتخابات القادمة في نهاية أكتوبر إلى إعادة إنتاج التركيبة الراهنة المؤلفة من أحزاب لليمين المتطرف والمستوطنين، وهي سياسات من شأنها أن تقوض الخطط الأمريكية التي كانت تقوم على بناء شراكة أمنية دائمة بين إسرائيل والدول العربية الحليفة لواشنطن وهو وضع يبشر بانتهاء الشرق الأوسط الأمريكي بتعبير الباحث والأكاديمي مارك لينش في مقاله في العدد الأخير من مجلة "فورين أفيرز".

هذه التطورات تستدعي من النخبة الاستراتيجية في مصر إعادة التفكير في مفهوم الدور الإقليمي لمصر، استناداً إلى مقومات القوة الخشنة والناعمة المتوافرة لمصر والمزج بين هذه المقومات لصياغة ما يعرف بالقوة الذكية، وهي مسألة تستدعي نقاشًا حرًا ومفتوحًا تشارك كل القوى السياسية والشخصيات المعنية التي تستطيع أن تقدم أفكارا في هذا الصدد، فالتفكير في شؤون الأمن القومي لأي دولة لم يعد حكراً على المؤسسات المعنية بالأمن القومي، خصوصا في ضوء التوسع في مفهوم الأمن، وهذه المسألة تتطلب نقاشا أوسع في مقال آخر.
-------------------------------
بقلم: أشرف راضي

مقالات اخرى للكاتب

لحظة فارقة في تاريخ مصر | بين إرث الجمهورية القديمة الذي يثقل كاهل الجميع وآفاق الجمهورية الجديدة